وهبة الزحيلي

207

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ويرى الجمهور أنه تقبل توبة القاتل عمدا ، لقوله تعالى : قُلْ : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [ الزمر 39 / 53 ] ، وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك ، وشك ونفاق ، وقتل وفسق وغير ذلك ، فكل من تاب تاب اللّه عليه . وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء 4 / 48 ] وهذه عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك . وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس ، ثم سأل عالما : هل لي من توبة ؟ فقال : ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد اللّه فيه ، فهاجر إليه ، فمات في الطريق ، فقبضته ملائكة الرحمة . وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون قبول التوبة في هذه الأمة بطريق الأولى والأحرى ؛ لأن اللّه وضع عنّا الآصار والأغلال التي كانت عليهم ، وبعث نبيّنا بالحنيفية السمحة . ولأن الكفر أعظم من القتل ، والتوبة عنه تقبل ، فتقبل عن القتل بالأولى ، ثم إن آية الفرقان تدلّ على قبول توبته وهي قوله : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ، وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَلا يَزْنُونَ ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ، يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً ، إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [ الآيات 68 - 70 ] . فأما الآية الكريمة : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً . . فقال أبو هريرة وجماعة من السّلف : هذا جزاؤه إن جازاه . وعليه يحمل كل وعيد على ذنب ، وقد يكون له أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه على قول أصحاب الموازنة ، أي وزن الحسنات والسيئات . وعلى قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به ، فليس بمخلد أبدا ، بل الخلود هو المكث الطويل ، لا الدوام ، وقد تواترت الأحاديث عن